السّلام العالميّ وعد حقّ
القسم الرّابعفي تشرين الأوّل/أكتوبر 1985، وجّه بيت العدل الأعظم رسالة إلى شعوب العالم حول موضوع السّلام العالميّ، بعنوان "السّلام العالميّ وعدٌ حقّ". يعرض هذا الجزء من الموقع النّصّ كاملًا من البيان. يمكنكم أدناه قراءة القسم الرّابع من هذه الوثيقة. كما يمكن أيضًا تنزيلها من مكتبة المراجع البهائيّة.
إنًّ التّفاؤل الّذي يخالجنا مصدره رؤيا ترتسم أمامنا، وتتخطّى فيما تحمله من بشائر، نهاية الحروب وقيام التّعاون الدّوليّ عبر الهيئات والوكالات الّتي تشكّل لهذا الغرض. فما السّلام الدّائم بين الدّول إلّا مرحلةً من المراحل اللّازمة الوجود، ولكنّ هذا السّلام ليس بالضّرورة، كما يؤكّد بهاءاللّٰه، الهدف النّهائيّ في التّطوّر الاجتماعيّ للإنسان. إنّها رؤيا تتخطّى هدنةً أوّليّةً تفرض على العالم خوفًا من وقوع مجزرة نوويّة، وتتخطّى سلامًا سياسيًّا تدخله الدّول المتنافسة والمتناحرة وهي مرغمة، وتتخطّى ترتيبًا لتسوية الأمور يكون إذعانًا للأمر الواقع بغية إحلال الأمن والتّعايش المشترك، وتتخطّى أيضًا تجارب كثيرةً في مجالات التّعاون الدّوليّ تمهّد لها الخطوات السّابقة جميعها وتجعلها ممكنةً. إنّها حقًّا رؤيا تتخطّى ذلك كلّه لتكشف لنا عن تاج الأهداف جميعًا، ألا وهو اتّحاد شعوب العالم كلّها في أسرة عالميّة واحدة.
لقد بات الاختلاف وانعدام الاتّحاد خطرًا داهمًا لم يعد لدول العالم وشعوبه طاقة على تحمّله، والنّتائج المترتّبة على ذلك مريعة لدرجة لا يمكن تصوّرها، وجليّة إلى حدّ لا تحتاج معه إلى دليل أو برهان. فقد كتب بهاءاللّٰه قبل نيّف وقرن من الزّمان قائلًا: "لا يمكن تحقيق إصلاح العالم واستتباب أمنه واطمئنانه إلّا بعد ترسيخ دعائم الاتّحاد والاتّفاق". وفي الملاحظة الّتي أبداها شوقي أفندي بأنّ "البشريّة تئنّ متلهّفةً إلى تحقيق الاتّحاد وإنهاء استشهادها الّذي امتدّ عبر العصور". يعود فيعلّق قائلًا: "إنّ اتّحاد الجنس البشريّ كلّه يمثّل الإشارة المميّزة للمرحلة الّتي يقترب منها المجتمع الإنسانيّ الآن. فاتّحاد العائلة، واتّحاد القبيلة، واتّحاد "المدينة - الدّولة"، ثم قيام "الأمّة - الدّولة" كانت محاولات تتابعت وكتب لها كامل النّجاح. أمّا اتّحاد العالم بدوله وشعوبه فهو الهدف الّذي تسعى إلى تحقيقه بشريّة معذّبة. لقد انقضى عهد بناء الأمم وتشييد الدّول. والفوضى الكامنة في النّظريّة القائلة بسيادة الدّولة تتّجه الآن إلى ذروتها، فعالم ينمو نحو النّضوج، عليه أن يتخلّى عن التّشبّث بهذا الزّيف، ويعترف بوحدة العلاقات الإنسانيّة وشمولها، ويؤسّس نهائيًّا الجهاز الّذي يمكن أن يجسّد على خير وجه هذا المبدأ الأساسيّ في حياته".
إنّ كلّ القوى المعاصرة للتّطور والتّغيير تثبت صحّة هذا الرّأي. ويمكن تلمّس الأدلّة والبراهين في العديد من الأمثلة الّتي سبق أن سقناها لتلك العلامات المبشّرة بالسّلام العالميّ في مجال الأحداث الدّوليّة والحركات العالميّة الرّاهنة. فهناك جحافل الرّجال والنّساء المنتمين إلى كلّ الثّقافات والأعراق والدّول في العالم، العاملين في الوكالات الكثيرة والمتنوّعة من وكالات الأمم المتّحدة، وهم يمثّلون "جهاز خدمة مدنيّة" يغطّي أرجاء هذا الكوكب الأرضيّ، وإنجازاتهم الرّائعة تدلّ على مدى التّعاون الّذي يمكن أن نحقّقه حتى ولو كانت الظّروف غير مشجّعة. إنّ النّفوس تحنّ إلى الاتّحاد، وكأنّ ربيع الرّوح قد أهلّ، وهذا الحنين يجاهد ليتجسّد في مؤتمرات دوليّة كثيرة يلتقي فيها أشخاص من أصحاب الاختصاص في ميادين مختلفة من النّشاطات الإنسانيّة، وفي توجيه النّداءات لصالح المشاريع العالميّة المتعلقة بالطّفولة والشّباب. والحقيقة أنّ هذا الحنين هو أصل حركات التّوحيد الدّينيّة، هذه الحركات الرّائعة الّتي صار فيها أتباع الأديان والمذاهب المتخاصمة تاريخيًّا وكأنّهم مشدودون بعضهم إلى بعض بصورة لا مجال إلى مقاومتها. فإلى جانب الاتّجاه المناقض في ميل الدّول إلى شنّ الحروب وتوسيع نطاق نفوذها وسؤددها، وهو اتّجاه تقاومه دون كلل وبلا هوادة مسيرة الإنسان نحو الاتّحاد، تبقى مسيرة الاتّحاد هذه من أبرز معالم الحياة فوق هذا الكوكب الأرضيّ سيطرةً وشمولًا في السّنوات الختاميّة للقرن العشرين.
إنّ التّجربة الّتي تمثّلها الجامعة البهائيّة يمكن اعتبارها نموذجًا لمثل هذا الاتّحاد المتوسّع. وتضمّ الجامعة البهائيّة ثلاثة أو أربعة ملايين تقريبًا من البشر ينتمون أصلًا إلى العديد من الدّول والثّقافات والطّبقات والمذاهب، ويشتركون في سلسلة واسعة من النّشاطات مسهمين في سدّ الحاجات الرّوحيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة لشعوب بلاد كثيرة. فهي وحدة عضويّة اجتماعيّة تمثّل تنوّع العائلة البشريّة، وتدير شؤونها ضمن نظام من مبادئ المشورة مقبول بصورة عامّة، وتعتزّ بالفيض العظيم كلّه من الهداية الإلهيّة في التّاريخ الإنسانيّ دون أيّ تمييز بين دين وآخر. وقيام مثل هذه الجامعة دليل آخر مقنع على صدق رؤيا مؤسّسها بالنّسبة لوحدة العالم، وبرهان إضافي على إنّ الإنسانيّة تستطيع العيش ضمن إطار مجتمع عالميّ واحد لديه الكفاءة لمواجهة جميع التّحدّيات في مرحلة النّضج والرّشاد. فإذا كان للتّجربة البهائيّة أي حظّ في الإسهام بشحذ الآمال المتعلّقة بوحدة الجنس البشريّ، فإنّنا نكون سعداء بأن نعرضها نموذجًا للدّرس والبحث.
وحين نتأمّل الأهميّة القصوى للمهمّة الّتي تتحدّى العالم بأسره، فإنّنا نحني رؤوسنا بتواضع أمام جلال البارئ سبحانه وتعالى، الّذي خلق بفضل محبّته اللّامتناهية البشر جميعا من طينة واحدة، وميّز جوهر الإنسان مفضّلًا إيّاه على المخلوقات كافة، وشرّفه مزيّنًا إيًّاه بالعقل، والحكمة، والعزّة، والخلود، وأسبغ عليه "الميّزة الفريدة والموهبة العظيمة ليبلغ محبّة الخالق ومعرفته"، هذه الموهبة الّتي "يجب أن تعدّ بمثابة القوّة الخلّاقة والغرض الأصيل لوجود الخليقة".
نحن نؤمن إيمانًا راسخًا بأنّ البشر جميعا خلقوا لكي "يحملوا حضارةً دائمة التّقدّم" وبأنّه "ليس من شيم الإنسان أن يسلك مسلك وحوش الغاب"، وبأنّ الفضائل الّتي تليق بكرامة الإنسان هي الأمانة، والتّسامح، والرّحمة، والرّأفة، والألفة مع البشر أجمعين. ونعود فنؤكّد إيماننا بأن "القدرات الكامنة في مقام الإنسان، وسموّ ما قدّر له على هذه الأرض، وما فطر عليه من نفيس الجوهر، لسوف تظهر جميعها في هذا اليوم الّذي وعد به الرّحمن". وهذه الاعتبارات هي الّتي تحرّك فينا مشاعر إيمان ثابت لا يتزعزع بأنّ الاتّحاد والسّلام هما الهدف الّذي يمكن تحقيقه ويسعى نحوه بنو البشر.
ففي هذه اللّحظة الّتي نخطّ فيها هذه الكلمات تترامى إلينا أصوات البهائيّين المليئة بالآمال رغم ما لا يزال يتعرّض له هؤلاء من اضطهاد في مهد دينهم. فالمثل الّذي يضربه هؤلاء للثّبات المفعم بالأمل يجعلهم شهودًا على صحّة الاعتقاد بأنّ قرب تحقيق حلم السّلام، الّذي راود البشريّة لمدّة طويلة من الزّمان، أصبح اليوم مشمولًا بعناية اللّٰه سلطةً ونفوذًا، وذلك بفضل ما لرسالة بهاءاللّٰه من أثر خلّاق يبعث على التّغيير. وهكذا ننقل إليكم هنا ليس فقط رؤيا تجسّدها الكلمات، بل نستحضر أيضًا ما لفعل الإيمان والتّضحية من نفوذ وقوّة. كما ننقل إليكم ما يحسّ به إخواننا في الدّين في كلّ مكان من مشاعر الرّجاء تلهّفًا لقيام الاتّحاد والسّلام. وها نحن ننضمّ إلى كلّ ضحايا العدوان، وكلّ الّذين يحنّون إلى زوال التّطاحن والصّراع، وكلّ الّذين يسهم إخلاصهم لمبادئ السّلام والنّظام العالميّ في تعزيز تلك الأهداف المشرّفة الّتي من أجلها بعثت الإنسانيّة إلى الوجود فضلًا من لدن الخالق الرّؤوف الودود.
إنًّ رغبتنا المخلصة في أن ننقل إليكم ما يساورنا من فورة الأمل وعمق الثّقة، تحدونا إلى الاستشهاد بهذا الوعد الأكيد لبهاءاللّٰه: "لسوف تزول هذه النّزاعات العديمة الجدوى، وتنقضي هذه الحروب المدمّرة، فالسّلام العظيم لا بدّ أن يأتي".

